ابن أبي الحديد

213

شرح نهج البلاغة

واستبهم فتقه ، وفقد راتقه ، وأظلمت الأرض له ، وخشعت الجبال ، وأكدت الآمال أضيع بعده الحريم ، وهتكت الحرمة ، وأذيلت المصونة ، وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله قبل موته ، وأنبأكم بها قبل وفاته ، فقال : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) ( 1 ) إيها بنى قيلة ! اهتضم تراث أبى ، وأنتم بمرأى ومسمع ، تبلغكم الدعوة ، ويشملكم الصوت ، وفيكم العدة والعدد ، ولكم الدار والجنن وأنتم نخبة الله التي انتخب ، وخيرته التي اختار ! باديتم العرب ، وبادهتم الأمور ، وكافحتم البهم حتى دارت بكم رحى الاسلام ، ودر حلبه ، وخبت نيران الحرب ، وسكنت فورة الشرك ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوثق نظام الدين ، أفتأخرتم بعد الاقدام ، ونكصتم بعد الشدة وجبنتم بعد الشجاعة ، عن قوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم ! فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون . ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وركنتم إلى الدعة ، فجحدتم الذي وعيتم ، وسغتم الذي سوغتم ، وإن تكفروا وأنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغنى حميد ، الا وقد قلت لكم ما قلت على معرفة منى بالخذلة التي خامرتكم ، وخور القناة ، وضعف اليقين ، فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر ، ناقبة الخف ، باقية العار ، موسومة الشعار ، موصولة بنار الله الموقدة ، التي تطلع على الأفئدة ، فبعين الله ما تعملون ( وسيعلم الذي ظلموا أي منقلب ينقلبون ) . قال : وحدثني محمد بن زكريا قال : حدثنا محمد بن الضحاك قال : حدثنا هشام بن محمد ، عن عوانة بن الحكم قال : لما كلمت فاطمة عليه السلام أبا بكر بما كلمته به حمد أبو بكر الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال : يا خيرة النساء ، وابنة خير الاباء ، والله ما عدوت رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وما عملت إلا بأمره ، وإن الرائد

--> ( 1 ) سورة أل عمران 144 .